عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
212
اللباب في علوم الكتاب
وقد يكون مندوبا ؛ مثل : الوفاء بالعهد في بذل المال ، والإخلاص في المناصرة . فقوله « وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا » يتناول كل هذه الأقسام ؛ فلا تقتصر الآية على بعضها ، وهذا هو الذي عبر عنه المفسّرون ، فقالوا : هم الذين إذا وعدوا ، إنجزوا ، وإذا حلفوا ونذروا ، وفّوا ، وإذا قالوا ، صدقوا ، وإذا ائتمنوا ، أدّوا . فصل في بلاغة قوله « والموفون » دون « وأوفى » قال الرّاغب : وإنّما لم يقل « وأوفى » ؛ كما قال « وأقام » ؛ لأمرين : أحدهما : اللفظ ، وهو أن الصّلة ، متى طالت ، كان الأحسن أن يعطف على الموصول ، دون الصلة ؛ لئلّا يطول ويقبح . والثاني : أنّه ذكر في الأول ما هو داخل في حيّز الشريعة ، وغير مستفاد إلا منها والحكمة العقليّة تقتضي العدالة دون الجور ، ولما ذكر وفاء العهد ، وهو مما تقضي به العقول المجرّدة ، صار عطفه على الأوّل أحسن ، ولما كان الصّبر من وجه مبدأ الفضائل ، ومن وجه : جامعا للفضائل ؛ إذ لا فضيلة إلا وللصّبر فيها أثر بليغ - غيّر إعرابه تنبيها على هذا المقصد ؛ وهذا كلام حسن . وحكى الزّمخشريّ « 1 » قراءة « والموفين » ، « والصّابرين » وقرأ الحسن « 2 » ، والأعمش ، ويعقوب : « والموفون » ، « والصّابرون » .
--> - وأنشد الأزهري : أنا كفيلك رهن بالرضا ، أي : أنا كفيل لك « ويدي لك رهن » يريدون به : الكفالة ؛ وأنشد ابن الأعرابي : والمرء مرهون فمن لا يخترم * بعاجل الحتف بعاجل بالهرم فتبين مما ذكر ملخّصا من كتب اللغة والفقه : أن الرهن يطلق على العين المرهونة ، وعلى الحبس ، والاحتباس ، والدوام ، والكفالة ، وقد استعمله الفقهاء في العقد المخصوص ، وهو مناسب للمعاني جميعها ؛ إذ المرهون محبوس أو محتبس بدين المرتهن ، ودائم تحت يده ؛ ليستوفي منه ، وكفيل بدينه . وقد عرّفه الفقهاء تعاريف مختلفة باختلاف المذاهب : فعرّفه الحنفية بأنه : جعل الشيء محبوسا بحق يمكن استيفاؤه من الرهن ؛ كالدّيون . وعرّفه الشافعية بأنه : جعل عين مال متمولة وثيقة بدين ؛ ليستوفى منها عند تعذّر وفائه . وعرّفه المالكية بأنه : مال قبضه توثّقا به في دين . وعرفه الحنابلة بأنه : المال الذي يجعله وثيقة بالدين ؛ ليستوفى من ثمنه إن تعذّر استيفاؤه من ذمّة الغريم . ينظر : لسان العرب : 3 / 1757 - 1758 ، المصباح المنير : 1 / 330 ، الصحاح : 5 / 2128 ، المغرب : 1 / 356 ، تكملة فتح القدير : 1 / 135 ، مجمع الأنهر : 2 / 584 ، حاشية الشرقاوي على شرح التحرير : 2 / 109 ، مغني المحتاج : 2 / 121 ، حاشية الدسوقي : 3 / 231 ، أسهل المدارك : 2 / 266 ، الإقناع في فقه الحنابلة : 2 / 150 ، المغني لابن قدامة : 4 / 361 . ( 1 ) انظر : الكشاف 1 / 220 ، ونسبها ابن عطية 1 / 244 إلى مصحف عبد اللّه بن مسعود ، وانظر : البحر المحيط 2 / 9 ، والدر المصون 1 / 449 . ( 2 ) انظر : الشواذ 11 ، والمحرر الوجيز 1 / 244 ، والبحر المحيط 2 / 10 ، والدر المصون 1 / 449 .